المقدمة
يتناول التسويق في فكرة الحديث بمفهومه الشامل جميع المنتجات التي يحتاجها الإنسان في حياته من ولادته وحتى وفاته، وميزها إلى منتجات ملموسة ومنتجات غير ملموسة، حيث لكل منهما خصائصه وأسلوبه في التسويق، وهذه المنتجات أما أن تكون:
منتجات استهلاكية وهي التي تستخدم للاستهلاك وتسويقها يرتبط بالمجتمع كاملاً.
1- أو منتجات صناعية وهي التي تستعمل للإنتاج وتسويقها يرتبط بشريحة صغيرة من المجتمع.
وبهذا المعنى نجد أن الفكر التسويقي الحديث يركز بدرجة كبيرة على المنتجات الاستهلاكية، حيث ترتبط بحاجات المجتمع ككل والذي يمثل أصحاب الدخول المحدودة أكبر شرائحه، بخلاف المنتجات الصناعية التي تستعمل في قطاع صغير من المجتمع بهدف العمل الصناعي.
وإذا نظرنا إلى سهولة وصعوبة التسويق بالنسبة للمنتجات الاستهلاكية نجد أن المنتجات غير الملموسة هي الأكثر صعوبة بسبب عدم قابلية المنتوج للمّس أو الرؤيا.
والمنتجات هذه في تطور مستمر نتيجة التغيرات السريعة في احتياجات الإنسان فهناك منتجات بيولوجية خاصة به وبحماية حياته، وفي نفس الوقت هناك منتجات اجتماعية ونفسية متعلقة بالوسط الذي يعيش فيه.
فالمنتجات البيولوجية مثلاً والتي تتعلق بحفظ حياة الإنسان واستمرارها عديدة أهمها الطعام، والماء، والهواء، والسكن، واللباس، والجنس. وغيرها. فلا بد من وجودها في جميع المجتمعات لأنها لازمة لحياة الفرد والجماعة إضافة إلى المنتجات الخدمية والفكرية التي تلعب دورها في حياة الإنسان.
فليس من الضروري أن تكون هذه المنتجات فردية، بمعنى أن تقتصر منفعتها على فرد واحد فقط، وإنما هناك منتجات ينتفع منها جماعة أو المجتمع بأكمله كالتعليم، والأمن، والعدالة، والصحة، وبناء المدن والجسور ، وتعبيد الطرق وتجميل المدن والمتنـزهات.
والتسويق نظام في حالة تغير مستمر وفي حالة تطور دائم، كما أن المجتمع وحاجاته ومعتقداته هي الأخرى في تغيير مستمر. وقد حصلت في السبعينات من هذا القرن تغييرات كبيرة في الفكر التسويقي، وفي المجتمع مما يستوجب بحثها وتحديد التغيرات الرئيسة ومضامينها بالنسبة لإدارة التسويق لتيسير عملية تقديم المنتجات.
وفي ضوء تلك التغيرات فقد تم صياغة القسم الأعظم من مبادئ التسويق، وقد شهدت هذه الحقبة من الزمن نمواً سريعاً في جميع نواحي الحياة في أرجاء العالم المختلفة، وقد وفرت المخترعات الحديثة مثل التلفزيون، والحاسب الآلي، وأجهزة الطبع والاستنساخ… وغيرها مجالات واسعة للاستثمار والعمالة وكان هناك إقبال شديد على اقتناء المنتجات التي شملت كل ما يحتاجه الإنسان لاستمرار حياته ودوامها وأصبحت متوفرة، واعتمد المزيد من الناس على الأمل في زيادة دخولهم لتحسين مستويات معيشتهم.
ولقد لعب التسويق ثلاثة أدوار رئيسية خلال هذه الحقبة:
1- متابعة التغيرات في حاجات المستهلكين ورغباتهم. وترجمتها إلى منتجات مناسبة.
2- المساهمة في نمو الاستهلاك من خلال الإنفاق على ترويج الخدمات.
3- خلق أشكال من طرق التوزيع لضمان توفير المنتجات وإمكانية تقديمها إلى الجماهير الواسعة.
ولم تقتصر حاجة الإنسان لضمان بقائه وتحقيق استمرار حياته على المنتجات الملموسة بل تعداها إلى المنتجات غيرا لملموسة من خدمات، وأفكار، وترويح وغيرها. والتي لم يتناولها الفكر التسويقي القديم والذي كان تركيزه على المنتجات الملموسة فقط والتي تحقق له أقصى ربح ممكن ضناً منه أن الإنسان يعيش ويستمر في الحياة باستخدام الملموس فقط، ولم يكن يفرق بين هذا الملموس إن كان يقدم للمستهلك المنفعة أم يخلق له الضرر، إضافة إلى كون هذا الفكر لم تكن له القدرة والإمكانات بتطبيق المفاهيم التسويقية على الأشياء غير الملموسة حيث كان عاجزاً عن تطبيق تلك المبادئ على هذه المنتجات، وعلاوة على ذلك فإن هذا التصور لم يكن قادراً على بيان أهمية هذه المنتجات وضرورتها له في بقائه واستمراره مما حدى به إلى اعتبارها غير هامة ولا يمكن تناولها. أما الفكر التسويقي الحديث فكان ظهوره وليداً لتلبية الحاجات الإنسانية بشقيها الملموسة وغير الملموسة حيث تناول تسويق كافة المنتجات ملموسة أكانت أو غير ملموسة، وقد ركز هذا الفكر بشكل كبير على الخدمات بأنواعها نتيجة التطور الواسع لقطاع الخدمات الذي يعد أحد الدعائم الأساسية لتوجه الإدارة المعاصرة حيث استقطب هذا القطاع في الأقطار المتقدمة الشريحة الواسعة من العاملين في تلك الأقطار إذا ما قورنت بباقي القطاعات الأخرى.
فقطاع الخدمات لا يدور في إطار المنظمات المتخصصة كالفنادق وخطوط الطيران أو المصارف… وغيرها، بل تعداها لتشمل منظمات تمارس نشاطات إنتاجية حيث يقوم هذا القطاع بتقديم استشارات وأعمال تصميم، وتوعية وكذلك تشمل الأعمال المالية، والرعاية الصحية، والتعليمية لتلك المنظمات حيث توجه خدمات الاستهلاك إلى الأفراد والأسرة والمجتمع بينما توجه الخدمات الصناعية إلى الشركات، فزيادة الطلب على خدمات الاستهلاك الفردية، والخدمات الصناعية، ناتج عن العديد من العوامل يأتي في مقدمتها الوضع المالي، وقد أدى ذلك إلى أحجام بعض الأفراد عن القيام بالنشاطات المنـزلية كالتنظيف، وأعمال المطبخ مثلاً، وإلى ولادة نشاطات ناتجة عن زيادة أوقات الفراغ، وهذا الأمر دفع إلى تنامي قطاع الخدمات الترفيهية والاستجمام هذا من جهة ومن جهة أخرى أدى اتساع نشاطات قطاع الخدمات الصناعية إلى ظهور الحاسبات ومختلف الأنظمة إلى بروز حاجات لخدمات تخصصية تقوم بأعمال نصب وتشغيل وصيانة تلك التقنية وتشعب مجالات عملهم، فقد تولدت الحاجة إلى خدمات تخصصية تتناول مختلف مجالات الأعمال كموظفين يعملون في إطار البحوث، كبحوث السوق مثلاً، وآخرين يقومون بأعمال الاستشارات كل ذلك وغيره كان يهدف إلى دخول عالم المنافسة والتمييز كتقدير مستوى خفض السعر الذي يخدم بدوره المنظمة، وبسبب زيادة عدد المنظمات وصعوبة قيامها بكامل الأعمال، ونتيجة للتوجهات التخصصية لمزاولة الأعمال كأعمال النقل والتخزين… وغيرها، ساهم في ظهور منظمات تعمل في القطاع الخدمي عارضه خدماتها على المنظمات الإنتاجية الأخرى، وهذا ما حفز ودفع إلى الاهتمام المتزايد بتسويق الخدمات بعد أن كان هذا المجال مهملاً ولفترة طويلة حيث أن قطاع الدولة مثلاً وفر خدمات للمجتمع كالرعاية الصحية والاجتماعية، وخدمات البريد، وخدمات الشرطة والإطفاء والتربية والتعليم.. وغيرها في الوقت الذي لم يهتم القطاع الخاص بالتسويق الخدمي، إلا في نطاق ضيق ومحدود وبهدف غير مميز المعالم.
وقد أخذت المنظمات في الآونة الأخيرة التعامل بالخدمات في أسواق معينة بهدف إشباع حاجات ورغبات المستفيدين والمستعملين الصناعيين لتساهم في توفير جانب كبير من الراحة والاطمئنان، والرعاية. ولتحقيق الاستقرار سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، ونظراً لأهمية الخدمات فقط تطورت النظرة إلى هذا القطاع فأصبح يشكل محور اهتمام الأفراد والحكومات خاصة في الدول المتقدمة.
فالمنظمات الخدمية منظمات متنوعة تقوم بتسويق الخدمات لمختلف منظمات الأعمال سواء كانت هادفة للربح أو غير هادفة بالإضافة إلى المنظمات الاجتماعية، والمنظمات الحكومية، والوكالات، ونتيجة لذلك فإن تسويق الخدمات يعتبر من المفاهيم المألوفة في الآونة الأخيرة بالنسبة لمنظمات الأعمال بمختلف صور الإدارة.
وقد أصبحت الخدمات تحتل دوراً مهماً في حياة الفرد والمجتمع وتساهم في رفاهيتهم واستقرارهم لذلك شهدت السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في مجال تقديم هذه الأنشطة، كما اهتمت الحكومات بالإشراف والرقابة على الخدمات لما لها من أثر فعال في رفاهية الفرد والمجتمع.
والاتجاه العام يسير نحو السيطرة بالأنظمة العامة بصورة كبيرة، ويجب أن نلاحظ هنا بأن ارتفاع مستوى عدم الرضا عند المشتري في أداء الكثير من الخدمات غير الخاضعة للأنظمة من المحتمل أن يوسع متطلبات تخفيض سعر الخدمات، وكذلك توضيح أدنى درجات المهارة للخدمة قبل عرضها للبيع. وتحديد قياسات الأداء، وإصدار النصوص الخاصة بالتعديل، ولا يوجد ما يقابل تجميد الممارسين المهنيين لفشلهم في تحقيق المستويات التي تحددها المهنة في قطاع تسويق المنتجات الملموسة (السلع).
وينبغي أن نلاحظ كذلك بأن كل من الأنظمة العامة والخاصة للخدمات تنطبق فقط على منظمات الخدمات الخاصة التي لا تعمل من أجل الربح وتكون الخدمات التي تباع من قبل المنظمات التي تعمل خارج صلاحيات الهيئات التنظيمية، ومن وجهة النظر التسويقية لا يوجد سبب يمنع من حصول ذلك ولا سيما إن كانت تنافس المنظمات التي تستهدف الربح وتخضع للأنظمة.
وأخيراً فإن قطاع الخدمات يكون أكثر شيوعاً من القطاع السلعي في الأنظمة الخاصة والأنظمة الحكومية ويكون القليل من منظمات الخدمة نسبيا ضمن نطاق الدولة لأن حافز الحجم معدوماً (وتعتبر الاتصالات والنقل من الحالات الاستثنائية) وتكون الخدمات الشخصية بصورة أساسية داخل بناء الدولة بسبب طبيعة المنتوج المباع وبنفس الوقت لما كانت الخدمة لا يمكن خزنها أو نقلها، فإن بيعها وشرائها تكون محلياً.
في الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم توخينا توثيق وتركيز النهج الحديث للفكر التسويقي وصولاً بقارئنا إلى حقيقة التسويق اليوم وما يهدف إليه هذا الفكر، وكان التسويق في فكره القديم يركز على جزء من حاجات المستهلك وهي المنتجات الملموسة فقط، إلا أن الفكر الحديث تناول كلاً من المنتجات الملموسة، والمنتجات غير الملموسة، وحيث سبق أن تناولنا في كتاب التسويق في المفهوم الشامل المبادئ التي يمكن تطبيقها لتسويق هذين النوعين من المنتجات، فقد انفرد هذا الكتاب بعرض المنتجات غير الملموسة إكمالاً لما يعطيه هذا الفكر من معلومات.
وقد احتوى هذا الكتاب بابين يعرض الباب الأول مبادئ التسويق الخدمي والتي يهدف من ورائها إمكانية تطبيق المبادئ التسويقية في مجال المنتجات غير الملموسة، وقد تناول (سبع فصول) بدأ أولها بمفهوم التسويق في القطاع الخدمي. ولأهمية وقوف القارئ على المنتجات غير الملموسة وخصائصها التي تميز المنتجات غير الملموسة عن غيرها فقد عرضناها في الفصل الثاني توخياً لإمكان التفرقة بين المنتجات الملموسة وغير الملموسة، وركز الفصل الثالث على تسعير الخدمات والطرق المستخدمة فيه، أما ترويج الخدمات فقد تناولناه في الفصل الرابع (أي استخدام الإعلان، والاتصال الشخصي، والتحفيز، والعلاقات العامة، والدعاية) في مجال إيصال المعلومات، أما العنصر الأخير من عناصر المزيج التسويقي فيتناول تقديم (توصل) الخدمات والأساليب المتبعة في ذلك، ولكي يتبين القارئ الكريم كيفية الحصول على المعلومات التي لا يختلف أسلوبها عن غيرها فقد ضمناه فصلين أحدهما بحوث التسويق والآخر قياس الظواهر في بحوث التسويق مستخدماً فيه أساليب رياضية لضمان دقة المعلومات التي يستخدمها المسوق في اتخاذ القرارات التسويقية.
أما الباب الثاني في هذا الكتاب فقد تضمن تطبيق التسويق على المنتجات الخدمية والتي يحتاجها المستفيد لاستمرار حياته كنموذج لهذا التطبيق لتمكين القارئ من الاقتداء بذلك عند تسويق أي من المنتجات الأخرى غير الملموسة سواء أكانت خدمية أم فكرية أم ترويحية، وقد تناول الفصل الثامن منها التسويق السياحي عارضاً المنتجات السياحية مبيناً كيفية تسعيرها وترويجها وتقديمها للمستفيد، وركز الفصل التاسع على تسويق الخدمات المصرفية أما العاشر فيتناول تسويق الخدمات الصحية وركز الحادي عشر على تسويق الخدمات التأمينية، وتضمن الثاني عشر الخدمات المرورية، أما الأخير منها فتناول تسويق الخدمات على المستوى الدولي.
وكان هدفنا في ذلك تمكين القارئ الكريم من الوقوف على إمكانية تطبيق المبادئ التسويقية على المنتجات المطلوب تسويقها ولا يقتصر على نوع معين من المنتجات، وإنما يشمل التطبيق كل شيء يحتاجه الإنسان في حياته ملموساً كان أم غير ملموس.
أسأل الله في أن أكون قد وفقت لما فيه الخير
الدكتور زكي خليل المساعد
