مقدمة
تعتبر العمليات النفسية أحد موضوعات علم النفس العسكري، فعلم النفس العسكري يضمن سلامة وأمن الأمة، ليس فقط من خلال مساعدة الجهود القتالية، ولكن أيضاً بطرق أكثر دقة، ومن أحد هذه الجهود التي تستمر باستمرار في الحرب وأوقات السلام على حد سواء هو صياغة وإدارة العمليات النفسية. (Mukherjee, et al, 2009: 247-248)، وتعمل العمليات النفسية للتأثير على الأفراد سواء كانوا أصدقاء أو أعداء، وذلك التأثير يرجع إلى طبيعة الإنسان حيث خُلق الإنسان من طين، قال تعالى إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (سورة ص، آية، 71)، وخُلق من الروح، قال تعالى فإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(سورة الحجر، آية، 29)، وهذا التكوين أثر على طبيعة الإنسان، فتشكلت لدى الإنسان دوافع مرتبطة بهذا التكوين، فالطين أوجد الدوافع الأولية والفطرية، كالأمومة، والمأكل والمشرب، وشهوات، وهذا يشترك معه الكائنات الأخرى، أما الروح رفع قدر الإنسان وأوجد الدوافع المكتسبة أو الثانوية كتحقيق الذات وتقدير الذات وحب التملك، والأمن، والمُثُل العُليا والقِيم ( ) وتعمل العمليات النفسية للتأثير على سلوك الفرد، وهو كل ما يصدر عن الفرد أو هو المظهر الخارجي لنشاط الفرد، وهذا السلوك مرتبط بالدوافع، فكلما قوي الدافع زاد نشاط الفرد، وكلما قل انخفض النشاط.
ويوجد خصائص للسلوك الناشئ عن وجود الدوافع، وهي: النشاط فكلما ازدادت قوة الدافع، ازاد النشاط، والاستمرار فالسلوك يستمر طالما لم يشبع، التنوع فإذا فشل الكائن الحي في إشباع دوافعه من وجه تحول إلى ميدان آخر.
فالدافع: هو أي قوة دافعة تدفع الفرد الى القيام بأي عمل أو الاستمرار في أي عمل، وهناك عدة عوامل تؤثر في قوة الدافع، وهي الحرمان فكلما طالت مدة الحرمان قوي الدافع، والأفراد يتفاوتون في مدى تحملهم للحرمان، والإشباع فإشباع أحد الدوافع يدعو إلى ظهور دوافع يسعى الكائن الحي إلى إشباعها، والعادة فتكرار إشباع دافع ما عن طريق أحد الموضوعات الخارجية بصورة معينة، يجعل الكائن الحي يتعود أن يتبع في إرضائه هذا الدافع ذلك الطريق المعين.
ويتم التعرف على سلوك الفرد من خلال التعرف العقلي(الإدراكي)، ردة الفعل العاطفي(الوجدان)، وردة الفعل السلوكي(النزوع).
وإذا أردنا تغيير سلوك شخص ما، فعلينا أن نغير في معرفته وإدراكه أولاً، ومن ثم في عاطفته، فيتغير سلوكه تلقائياً.
تتمثل مهمة العمليات النفسية (PSYOP) في التأثير في سلوك الجماهير المستهدفة لدعم الأهداف للدولة. وتقوم العمليات النفسية بتحقيق ذلك عن طريق نقل المعلومات المحددة و / أو تقديم المشورة بشأن الإجراءات التي تؤثر على العواطف والدوافع والتفكير الموضوعي، وفي نهاية المطاف سلوك الجماهير المستهدفة، ويعتبر التغيير السلوكي هو أصل مهمة العمليات النفسية على الرغم من الاهتمام بالعمليات العقلية للجمهور المستهدف، إلا أن التعديل والتغيير الملحوظ لسلوك الجمهور المستهدف هو الذي يحدد نجاح مهمة. FM 3-05.30, 2005: 1/5)).
ولقد تم استخدام مضمون العمليات النفسية منذ قديم الزمن، يعود استخدام العمليات النفسية إلى أقدم العصور، وكانت آنذاك تشن بأساليب بدائية، ومنذ القدم عرف رجال السياسة والحرب والموجهون الدينيون سرد الأقوال والدوافع التي تدفع الإنسان وتحركه، وقد عُرفت الخطابة وقصائد الشعر والحكايات الشعبية والأساطير للتأثير على أذهان الناس، كما استخدمت الحيلة والخدعة والمفاجأة، وفي التاريخ الكثير من الحوادث التي يمكن أن تروي تطبيقات العمليات النفسية. (الخدام، 2008: 14)، فمصر القديمة استخدمت الحيلة والخديعة والمفاجأة في حروبها خاصة عند فتح مدينة يافا، والصين القديمة استخدمت السحر والعرافون والعسكريون، واليونان القديمة استخدمت السب والشتائم والتشهير السياسي للتأثر على الروح المعنوية للعدو، والمغول استخدموا الجاسوسية والترويع والتضخيم، ولقد استخدم المسلمون العمليات النفسية في قتالهم ضد المشركين والفرس والروم، وخلال الحرب العالمية الأولى تحولت الحرب النفسية من وسيلة عرضية إلى أداة عسكرية رئيسية، وسميت بالحرب النفسية وتم الاستعانة بعلماء النفس في ذلك، وبين الحربين قام الإنجليز والألمان والروس والأمريكان بجهود كبيرة في ميدان العمليات النفسية، لقد استخدم هتلر شكلاً من أشكال الحرب النفسية سنة (1936) جعل تشيكوسلوفاكيا تنسحب من منطقة السويدات دون أن تطلق طلقة واحدة، ونجح في احتلال مناطق واسعة جداً من فرنسا خلال ست ساعات، (المنياوي، 2010: 11)، ولقد استخدم مصطلح الحرب النفسية لأول مرة في الأيام الأولى من الحرب العالمية الثانية من قبل القيادتين العسكرية والسياسية الأمريكية، باستخدام علم النفس كسلاح سادس بالإضافة إلى أسلحة المعركة البرية، والبحرية، والجوية، والسياسية والاقتصادية للتأثير في معنويات المدنيين والعسكريين. (الخدام، 2008: 14)، وتم استخدم الذعر الكامل والانهيار العصبي وحرب الإعلام، وخلال السنوات القليلة الماضية تم تطوير المصطلح واستبدال الحرب النفسية إلى العمليات النفسية، لأن العمليات لا تحسم المعركة ولكن القوات المسلحة هي التي تحسم المعركة وتسيطر على الأرض.
وبعد إنجاز الجزء الأول من الكتاب بتوفيقٍ من الله عز وجل وطباعته، عكفتُ على كتابة الجزء الثاني والذي يتكون من تسعة فصول، فالفصل الأول نستعرض مفهوم العمليات النفسية، وأهدافه وطبيعته، والفصل الثاني نذكر مواصفات رجل العمليات النفسية، ومهام رجال العمليات النفسية، أما الفصل الثالث يدور حول أنواع العمليات النفسية، وتنظيم ومهام وحدة العمليات النفسية الميدانية، والفصل الرابع يتحدث عن القيادة والسيطرة، والتخطيط للعمليات النفسية، وفريق تقييم العمليات النفسية، والفصل الخامس يتحدث عن العمليات النفسية في العمليات القتالية في العمليات التعَرُضية والدفاعية وعمليات الأمن الداخلي، وعمليات الخداع والحرب غير التقليدية، والفصل السادس يتحدث عن أساليب العمليات النفسية كالدعاية والشائعة وغسيل الدماغ والتسميم السياسي ومحو ذاكرة الشعوب، والفصل السابع نذكر فيه أساليب مقاومة العمليات النفسية، والفصل الثامن نتحدث عن الأساليب التي استخدمها المسلمون في العمليات النفسية، وكذلك العمليات النفسية العربية (فلسطين نموذجاً)، أما الفصل التاسع والأخير نستعرض العمليات النفسية الصهيونية في دولة الكيان “إسرائيل”.
فهذا الجهد ما هو إلا صدقة عن روحي، فما كان من توفيقٍ فمن الله وحده، وما كان من سهوٍ أو زللٍ فمن نفسي والشيطان.
د. أسامة عبد الغني أبو جاموس
