وقفة تأملية
حين يرتفع صوت الحكمة و التأمل تتكاثف المعاني قبل أن تنساب لتعبر عن مكنونات الذات … وحين يتحاور الأفراد لتعميق الأفهام …تتولد معرفة جديدة قد تكون قابعة في الوجدان .
وعندما أفكر في تلك السويعات التي سعيت فيها إلى استلهام آفاق جديدة من الوعي الإنساني… أكثر عمقاً ورحابة …وحين أتأمل في كيف حاولت مع كل من قابلتهم أن تكون الحوارات أكثر غنى مما استقر في بطون الكتب، بل كيف كنا نطرح أسئلة سابرة تجول في الخاطر و يفرضها السياق، حينها أدرك أن جل من قابلتهم أعملوا فكرهم ليستحضروا إدراكات عميقة في ضوء خبراتهم الحياتية المتباينة، واجتهد الجميع في التفكر بالواقع تحليلا ًوتأملا محاولين النفاذ إلى ما وراء مفردات ذاك الواقع سعياً لربط الأسباب الكامنة بالنتائج الظاهرة.
وحين كنت أعود عقب كل مقابلة كانت تدفعني الرغبة في البحث و الاستقصاء التي تسكن روحي إلى أن أسارع إلى آلة التسجيل وأستمع إلى كل ما قيل، وأتأمل في المعاني التي تولدت والادراكات التي تعمقت… وأستمع المرة تلو الأخرى، وأستذكر الملامح والقسمات، وأحاول أن أستشف الثقة والحكمة التي كان ينضح بها هذا الصوت أو ذاك… أو المرارة و الأسى التي كان يشي بهما صوت آخر.
ولي أن أقول أن بعض الأصوات النسوية التي حفرت في وجداني، أذكت في وعيي تساؤلات عميقة ستظل تلح علي، فلن أنسَ بثينة، ووداد ونجاة… وسأعمل ما حييت على أن أجد إجابات لتلك التساؤلات التي طرحنها، ولذاك السؤال الكبير الذي رددته نجاة بكل الصدق الإنساني:
“لماذا جئت يا ست نسيمه… هل جئت لتساعدينا أم لترشي الملح على جراحاتنا ؟؟”
وكان علي كباحثة أن أتأمل وأن أسعى لمواصلة البحث الحصيف المتدبر لأجيب انطلاقاً من أهداف دراستي.
وللقارئ على اختلاف تجربته الحياتية أن يتأمل في كل ما قيل في تلك الجلسات وأن يصغي لتلك الأصوات التي تمثل تيارات متباينة، وله أن يستلهم معانٍ أخرى واستبصارات قد تكون أكثر عمقاً.
واختم بالشكر الموصول لكل من قدم بعضاً من البوح عن مكنونات ذاته من أفراد عينة الدراسة الذين تحاورت معهم وأصغيت لتصوراتهم… لفكرهم… لعذاباتهم… لأنّاتهم، وعايشت وإياهم ولادة معان جديدة لمنظورٍ حرصنا أن تتكامل فيه دلالات المعاني مع مجالات التمكين ومهاراته. آملة أن تظل هذه التجربة حية متجددة، نابضة تنضح بكل ما يليق بها من الصدق والبهاء اللذين يتوق لهما الباحثون في مجالات المعرفة الإنسانية كافة.
المؤلفة
الدكتورة نسيمه مصطفى الخالدي
المقدمة
تقوم التنشئة الاجتماعية في جوهرها على تكوين وعي لدى الناشئة لكل ما يتعلق بالمستحسن والمقبول و الممجوج من أفعال و إدراكات في دورة زمنية ما،وفي بيئة ما،ويحدث ذلك ضمن عمليات متعاقبة مقصودة وغير مقصودة تعمل في المحصلة النهائية على تعريف الأفراد بأدوارهم الاجتماعية المتمايزة، وبسبل التعامل مع مصادر العيش في تلك البيئة، وبكيفية تلبية احتياجاتهم للقيام بتلك الأدوار. وتظل المدرسة إحدى أهم المؤسسات الاجتماعية التي تسعى لتشكيل وعي الأفراد، ويعتبر المنهاج المدرسي من أخطر أدوات التنشئة إذ من خلال سياسته ومراميه ووسائله يتم تمرير كل القيم” المقبولة ” التي تحدد لهم دورهم المستقبلي وتهيمن على تفكيرهم وتوجه ممارساتهم بل وتجعلهم يقبلون واقعهم ويعملون على تكريس قيم ذاك الواقع. ولكن ثمة للمنهاج دور آخر، إذ قد يكون أداة تنوير وتبصير تذكي لدى الأفراد حسًا بالانتماء لجماعتهم من خلال منظور ثلاثي متوازن تتلاقى فيه أهداف الفرد والمجتمع و المعرفة، فالمنهج والحالة هذه يسهم في تكوين وعي الفرد الذي يسخر المعرفة لبناء مجتمعه من خلال تحقيق ذاته.
ولعل من المفيد أن نتأمل بعض مقولات المنظور النقدي حول المدرسة و المنهاج، إذ يرى منظِروه أن المدرسة يجب أن تسعى لإطلاق طاقات الطلبة نحو التحرير و المساواة و العدالة الاجتماعية وان هذا هو الهدف الرئيس للمدرسة ..وحين يطرح النقديون (Walker,1986) السؤال الجوهري : ما المعرفة التي يجب أن يتعلمها الطالب، ولماذا ؟ لا يكتفون بما هو قائم في المدرسة حين تمتد جذور المشاكل خارج أسوار المدرسة، وحينها نتفق معهم بان وظيفة المدرسة لا ينبغي أن تكون إعادة إنتاج الثقافة بل تروم التغيير الذي يحقق النماء الكلي للفرد و المجتمع.
ويقتضي التأمل ألتدبري وقفة نقدية على ما يطرح حول الكثير من القيم التي تمرر للفتيات في أنظمة تربوية شتى والتي تستهدف رسم معالم شخصيتهن،وتشكيل إدراكا تهن على نحو معين. ولعل ماكميلان (McMillan ,1982) تناقش الأمر بصورة جلية حين تشير إلى أنه- حتى في الأنظمة التربوية التي ’يخال أنها متطورة ما زالت تلك الأنظمة تبنى على الافتراض بان النساء يستخدمن العاطفة و الوجدان في تمثل المسائل الحياتية ، في حين أن الرجال يستخدمون المنطق و التبرير العقلاني، ويترتب على ذلك –كما ترى ماكميلان– نتائج مدمرة ترسخ القناعات لدى النساء بأن الإنجازات الفكرية منذ فجر التاريخ و التي هي نتاج المنطق شأن ” ذكوري ” لا علاقة لهن به. وثمة قضية أخرى في غاية الأهمية، وهي أن هذه القناعات عينها هي التي تجعل القائمين على رسم ملامح الأنظمة التربوية يبثون في وعي الفتيات أن فروعاً معرفية مثل العلوم و الرياضيات والتي تحتاج إلى منطق تحليلي analytical logic لا يمتلكنه أصلاً مما يعني ضرورة توجههن لدراسة فروع معرفية ذات أبعاد إنسانية، ولعل التنميط الجنوسي في هذا السياق يشكل قضية جوهرية يمكن تناولها بشيء من التفصيل لأنها تلقي بعض الضوء على دور التعليم المدرسي في تكوين وعي الفتاة لذاتها وقدراتها، ويقتضي المنطق أن نسترشد بالنتائج التي توصلت إليها الدراسات في هذا السياق ، فما الذي تذهب إليه الدراسات حول دور التعليم المدرسي وأثره في تنميط الفتيات جنوسيًا؟.
تؤكد الدراسات (Byrnes , 1996 ,( Woolfolk,1987 وجود القليل من الفوارق بين الذكور و الإناث في التطور العقلي و الحركي أو في القدرات الخاصة، وحينما تبرز الفوارق بين الذكور و الإناث فإنها تكون لصالح الإناث ولكنها فوارق صغيرة تندرج تحت المهارات اللفظية .وحين يناقش بايرنز (Byrnes , 1996 ) الفوارق الفردية في المهارات في الرياضيات فانه يطرح تساؤلاً حول من لديه قدرات فطرية و استعدادات لتعلم الرياضيات، أهم الذكور أم الإناث ؟ ويوضح لنا أن إجابة الباحثين ستكون : أنهما كلاهما يمتلكان القدرة الفطرية لتعلم الرياضيات، ولكن المعرفة البحثية الموسعة التي تم التوصل لها من العديد من الدراسات تظهر أن الذكور في بعض الأحيان يتفوقون على الإناث و في بعض الأحيان تتفوق الإناث، وفي بعض الدراسات لا ’يلحظ فارق بينهما مما يعني أن تدني نسبة التحاق الفتيات بالكليات العلمية في الكثير من الدول ومن بينها الأردن قد يكون ناجماً عن نوع من التنميط الجنوسي.
ويقودنا التفكير التأملي في نتائج تلك الدراسات إلى أن على مخططي المناهج أن يعوا أن هناك حاجات مشتركة بين الأفراد المتعلمين بغض النظر عن نوعهم الاجتماعي، وأن هناك حاجات تخص الإناث أو الذكور وحدهم، وأن المنهاج لابد أن يكون أداة تنوير لكل الأفراد بدء بالمرأة التي تشكل نصف المجتمع وتنجب وتربي المجتمع كله. ويلحظ المهتمون بقضايا التربية النسوية أن الإطار العام للتعامل مع المرأة العربية عمومًا ينبثق من تنميط جنوسي لا يساعد المرأة في أن تجد المعنى لعالمها أو أن تنظم خبراتها الحياتية، بل إنه قائم على افتراضات ثابتة حول الجنوسة تكرس النظرة الدونية المتشككة في قدراتها .و يشير البعض إلى أن دور المرأة العربية في القطاع العام ينحصر في اتخاذ القرارات في المجالات النسوية تقليدياً كالخدمات الاجتماعية و الصحة و التعليم كنتيجة لمحدودية التعليم و الأيديولوجيات و الأنماط الاجتماعية التي تعمل جميعها على عزل المرأة عن مواقع صنع القرار(صندوق الأمم المتحدة الإنمائي، 2003(.
ويقتضي البحث الذي يعي كل الظروف و الأبدال و المتغيرات ويحاول أن يلمس الواقع ومعطياته –بكل صدق ٍ و حكمة –على الرغم مما يكتنف ذلك من عوامل متداخلة متشابكة تؤثر وتتأثر بعضها ببعض، يقتضي أن نتوقف لنتساءل : كيف يسعى المنهاج الأردني في مباحثه كافة لتمكين المرأة ؟ وكيف يشكل وعيها لذاتها ولقدراتها و للآخرين من حولها؟ وكيف تعمل مكوناته على تعزيز ثقتها بذاتها، وما المهارات التي يكسبها إياها؟ بل وكيف يستنهض قواها الكامنة للقيام بدورها المأمول.
وللاستقصاء في هذا المجال الحيوي كان لا بد من بناء منظور وطني وثيق الصلة بحاجات المرأة في مجتمعنا الأردني وذلك حرصاً على تلمس الواقع من خلال رؤى وطنية متباينة بمنأى عن التطويع الفج لمذاهب فكرية مجلوبة،أو الانسياق لأيديولوجيات تختلف فيها حاجات المرأة وأولوياتها ولا تنسجم مع إرثنا الثقافي في بعديه التاريخي و الجغرافي. والمنظور الوطني الذي تسعى هذه الدراسة لبنائه والذي يمكن من خلاله التعرف على دور المنهاج المدرسي الأردني في تمكين المرأة سيسهم في رسم ملامحه عينة من المهتمين بقضايا المرأة الذين يمثلون تيارات فكرية متباينة هي التيار الإسلامي، التيار الليبرالي، التيار المعتدل، والتيار الراديكالي، وهؤلاء الأفراد من مفكرين، وخبراء، ومدربين في مجالات تمكين المرأة، بالإضافة إلى نساء متنورات خبرن التدريب في دورات للتمكين لديهن تجارب حياتية متفردة. و ستتم الاستعانة بهذا المنظور لمقابلة عناصره بالأفكار المستخرجة من محتوى المنهاج للمباحث الدراسية كافة للوقوف على ما يقدمه المنهاج، سعيًا لتطويره ليصبح أداة حقيقية للتنوير في مجتمع القرن الحادي والعشرين الذي لابد أن تكون أدوار المرأة فيه أكثر فاعلية لتتكامل الجهود لبناء المجتمع المحلي، ولحفز الخلق و الإبداع للتواصل مع المجتمع الإنساني الكبير.
ولعل من أهم الأسباب التي تقتضي إجراء هذه الدراسة هو قلة الدراسات التي تبحث في موضوع تمكين المرأة العربية عمومًا، عدا دراسة قدمت نماذج من نساء عربيات يتحدثن عن تجاربهن في التمكين الذاتي Self – Empowerment، في حين لم ’يعثر من مجمل الدراسات التي اهتدي إليها على دراسة واحدة حاولت استقصاء دور المنهاج المدرسي والكتب المدرسية للمباحث كافة في تمكين المرأة، فقد توجهت معظم الدراسات الأردنية إلى استطلاع صورة المرأة في مناهج مبحث ما، أو التعرف إلى الأدوار الجندرية في الكتب المدرسية بينما يأخذ موضوع تمكين المرأة موضع الصدارة عند البحث في قضايا المرأة على الصعيد العالمي، فضلاً عن أن تمكين المرأة يعتبر أوسع من دراسة الأدوار الجندرية أو صورة المرأة في الكتب المدرسية لمبحث ما،لذا ارتأت الباحثة أن تقدم ما يمكن أن يسد فراغًا في مجال تمكين المرأة من حيث علاقته بالمناهج و الكتب المدرسية.
