المقدمة
كشفت نتائج الدراسات والابحاث للأزمة المالية العالمية عام 2008 عن وجود خلل مالي وهيكلي في النظامين المالي والمصرفي العالميين الامر الذي انعكس على معدلات سيولة القطاع المصرفي وجعل من تلك الأنظمة غير قادرة على مواجهة التزاماتها، مما دفع العديد من المنظمات والمؤسسات المالية الدولية والرقابية الى إعادة النظر في عمل هذه الأنظمة ومعالجة مواطن الخلل فيها، إذ بينت تلك النتائج عن وجود فئة كبيرة من المجتمع مستبعدة ماليا لم تتاح لها فرصة الحصول على الخدمات المالية والمصرفية والاستفادة منها تمتلك نسبة ليست بالقليلة من السيولة. ولضم تلك الفئات المستبعدة للعمل ضمن الأنظمة الرسمية تطلب الأمر تبني سياسات ومعايير واستراتيجيات تعمل على النهوض بواقع هذه الأنظمة بالشكل الذي يجعلها قادرة على استيعاب و تحمل الصدمات، اندرجت تلك الاصلاحات تحت مفهوم الشمول المالي الذي يتيح فرصة الحصول على الخدمات المالية والمصرفية عبر الانظمة الرسمية سواء الافراد او المؤسسات، وبشكل خاص الافراد من ذوي الدخول المنخفضة بسهولة ويسر وبأسعار مناسبة، وتجنبهم اللجوء الى الأنظمة غير الرسمية التي تهدد بعدم تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي.
لقد عانى العراق ومنذ سنوات طويلة من تدني مستوى الشمول المالي للقطاع المصرفي بسبب الحروب المستمرة التي خاضها النظام السابق وارتفاع معدلات التضخم وتدهور قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار الأمريكي وفقدان الثقة بالمؤسسات المالية والمصرفية، تزايدت بشكل خاص بعد حرب التحرير والقضاء على التنظيمات الإرهابية (داعش) بعد عام 2014، وما رافقها من تدمير البنى التحتية للكثير من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية وخاصة المؤسسات المالية والمصرفية، وارتفاع معدلات الفقر ولبطالة، أدت هذه العوامل وغيرها الى تفضيل الافراد الاحتفاظ باموالهم كنقد مكتنز رغم مخاطر الاحتفاظ به على ايداعه في المؤسسات المالية والمصرفية مما حرم الاقتصاد موارد مهمه تزيد عن 40 (اربعون ترليون دينار عراقي) كان يمكن للجهاز المصرفي اعادة تعبئتها بما يخدم خطط وبرامج التنمية الاقتصادية واعادة الاعمار. لذلك فأن رفع مستوى الشمول المالي في العراق يتطلب بذل المزيد من الجهود من أجل العمل على جذب أكبر عدد من الفئات المستبعدة ماليا بهدف خفض معدلات السيولة العامة التي تقع خارج سيطرة الجهاز المصرفي ودعم مركز السيولة للقطاع المصرفي والسماح له بإدارة تلك الأموال عبر تحفيز الادخار وتشجيع الاستثمار، ومساهمة الفئات ذات الدخل المنخفض للمشاركة في العملية الاقتصادية وتحريك الدورة الاقتصادية باتجاه تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة عبر تحقق الشمول المالي. وبناء على ماتقدم فقد تم اختيار الموضوع لاهميته من خلال تحليل العلاقة بين الشمول المالي وبين فاعلية القطاع المصرفي والتي تظهر في المجال التطبيقي لإثبات اهمية تحقق الشمول المالي على المستويين الآتيين:
أ) المستوى الاقتصادي: مساهمته الفاعلة في تطوير كفاءة القطاع المالي والمصرفي وتحسينها من خلال الآلية المتبعة في تعبئة المدخرات، إذ يتسم القطاع المالي الأكثر شمولية بامتلاكه المقدرة على جذب المدخرات وتقديم الخدمات المالية والتمويلية لتلبية الاحتياجات الاستثمارية وحفز النمو الاقتصادي.
ب) المستوى الاجتماعي: تحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتلبية جزء كبير من الاحتياجات الاستثمارية والاستهلاكية للفئات المستبعدة ماليا نظرا لضعف الموارد الذاتية عبر تطوير وابتكار مجموعه من الخدمات المالية والمصرفية التي تنسجم مع احتياجاتهم الفعلية.
ان تنامي ظاهرة الاكتناز (The phenomenon of hoarding) لدى الوحدات الاقتصادية من الأفراد والمؤسسات أدت الى تدني مستويات الشمول المالي والتي انعكست بشكلها السلبي على أداء القطاع المصرفي العراقي وبالتالي ضعف فاعليته في تحقق الاستقرار المالي والاقتصادي بسبب ضعف العادات المصرفية والسلوك السلبي للأفراد والمؤسسات تجاه الادخار وقلة الوعي المصرفي وضعف الثقة بالجهاز المصرفي.
لذلك فان الكتاب يهدف الى:
1) إعطاء مفهوم عام وشامل ودقيق عن الشمول المالي بالإضافة إلى عرض مؤشراته والسيولة النقدية وقياسها و تحليلها.
2) إيجاد العلاقة بين الشمول المالي والسيولة النقدية باستخدام معامل الارتباط (Correlation) مع بيان فاعلية الشمول المالي في تسهيل عمل المصارف والحد من ظاهرة الاكتناز.
3) تحليل بيئة القطاع المصرفي العراقي باستخدام نموذج (SWOT) لمعرفة ابرز نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات التي تواجهه.
4) وضع استراتيجية للشمول المالي تنسجم وتتلاءم مع بيئة القطاع المصرفي في زيادة فاعليته وقدرته في الحد من ظاهرة الاكتناز لخلق قاعدة مستقرة من الودائع ومن ثم التوجه نحو الاستثمارات الصحيحة لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، بالإضافة الاستفادة من الميزات الأخرى التي يحققها الشمول المالي.
منطلقا من فرضية مفادها أن تلبية متطلبات الشمول المالي وتنفيذها تسهم في زيادة فاعلية الجهاز المصرفي للتقليل اوالحد من ظاهرة الاكتناز، ودعم سيولة القطاع المصرفي العراقي من خلال تعبئة المدخرات وتحفيزها للاستثمار.
لقد تم الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي في تحليل بيانات السيولة النقدية والشمول المالي التي تمثل واقع القطاع المصرفي العراقي وقد استخدم معامل الارتباط لمعرفة طبيعة العلاقة بين المتغيرين واستخدام نموذج التحليل الرباعي (SWOT) لتحليل واقع القطاع المصرفي العراقي ضمن حدود بيئته الداخلية والخارجية.
وبغية تحقق الهدف المرجو من الكتاب والعمل على إثبات فرضيته فقد تم تقسيم محتويات الكتاب إلى ثلاثة فصول خصص الفصل الأول لدراسة للاطار المفاهيمي للشمول المالي والسيولة النقدية وقسم الى ثلاثة مباحث استعرض الأول منها الاطار المفاهيمي للشمول المالي من حيث المفهوم، النشأة، الأهمية في حين تضمن الثاني الاطار المفاهيمي للسيولة النقدية من حيث المفهوم، الأهمية، المكونات، والعوامل المؤثرة في السيولة، وعرض عام لوجهات نظر المدارس الفكرية في السيولة والاكتناز، ثم الانتقال بعد ذلك الى دراسة العلاقة بين الشمول المالي والسيولة النقدية وطبيعة تلك العلاقة المتبادلة وفاعليتها في تحفيز الوساطة المالية للقطاع المصرفي العراقي. اما في المبحث الثالث فقد تم دراسة ابعاد ومؤشرات قياس الشمول المالي. وخصص الفصل الثاني لدراسة واقع الجهاز المصرفي العراقي ومؤشرات قياس السيولة النقدية في ثلاث مباحث استعرض الاول منها الاطار العام للنظام المالي وواقع الجهاز المصرفي العراقي، اما المبحث الثاني فقد اهتم بدراسة مؤشرات سيولة القطاع المصرفي العراقي، وخصص المبحث الثالث لدراسة امكانية قياس وتحليل مؤشرات السيولة المصرفية الاساسية للقطاع المصرفي العراقي ،في حين قسم الفصل الثالث الذي اهتم بدراسة الشمول المالي والاستراتيجية المقترحة لتنفيذها في العراق الى ثلاثة مباحث خصص الاول منها لدراسة مؤشرات الشمول المالي للقطاع المصرفي العراقي. واهتم المبحث الثاني بدراسة علاقة الشمول المالي بالسيولة النقدية في العراق، في حين خصص المبحث الثالث للتحليل الاستراتيجي لبيئة القطاع المصرفي ووضع استراتيجية مقترحة لتنفيذها في العراق وفق نموذج تحليل (SWOT) تنسجم وتتلاءم مع واقع القطاع المصرفي العراقي.
واخيرا يختتم الكتاب بجملة من الاستنتاجات والتوصيات التي يمكن ان تقدم للمؤسسات المالية المعنية للافادة منها في تطبيق ستراتيجية الشمول المالي في العراق 2019-2023.
