المقدمة
تؤدي المشاريع الصغيرة والمتوسطة دوراً هاماً في تحقيق عملية التنمية في مختلف الدول مهما كانت درجة نموها، ومستوى تقدمها الاقتصادي والتقني. وتكمن أهمية هذه المشاريع في كونها قادرة على التأثير في طبيعة ومستوى الإنتاج والتشغيل، ومصادر توليد الدخل، وفي قدرتها على توليد حوافز للابتكار، وعنصراً هاماً في عملية البحث والتطوير، وتعزيز القدرة التنافسية، على الصعيدين المحلي والعالمي، وقد تم الاهتمام بها على مستوى السياسات والخطط في أكثر الدول العربية والمتقدمة على حد سواء، إذ يمكن لها أن تكون حجر الأساس في تحقيق تنمية اقتصادية شاملة ومستدامة، تتميز بمستوى عالٍ من خلال تبني ودعم سياسات واضحة، وفاعلة، وقابلة للتطبيق، تؤدي في النهاية الى قطف ثمار تفعيل الدور التنموي للاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال نجاح هذه الدول في الوقوف بمواجهة ارتفاع معدلات البطالة، والحد من تفاقم الفقر، وتحقيق مستويات مقبولة من الرفاهية الاقتصادية.
ويكمن الاختلاف بين الدول من دولة لأخرى في توفير الظروف الأساسية لنجاح هذه المشاريع وديمومتها، فهي مهما كانت صغيرة، لا تنشأ من فراغ أو بقرار سياسي عاجل أو بتوفير التمويل فقط، فالتمويل وحده (كما حصل ولا يزال يحصل في بعض الدول)، يشجع المغامرين على الإقدام على مشاريع تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات النجاح. وتنتهي المغامرة بفشل المشروع وعجز المدين عن الدفع وهدر مبلغ التمويل. ولقد أثبتت التجربة العربية والإقليمية والدولية الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع والدور التنموي الذي تؤديه لدعم الاقتصاد والنهوض بالمستوى المعيشي لأفراد المجتمع والعاملين فيها، لذلك هناك مسعى مستمر للاهتمام بها وتطويرها وتذليل العقبات التي تواجهها.
أما في العراق فقد أختلف واقع المشاريع الصغيرة والمتوسطة من سنة الى أخرى حتى العام 2003، كان لها تأثيراً سلبياً نتيجة التغيرات الاقتصادية والحروب التي حصلت، وقلة الدعم وغياب الآليات التي تنظم هذه المشاريع، مما أدى الى تراجع دورها في الاقتصاد.
والاستثمار في هذه المشاريع يعد شرطاً ضرورياً لكنه غير كاف لتحقيق التنمية المستدامة. فقد عانى العراق ــــــــ لاسيما بعد عام 2003 ـــــــــ من انهيار البنى التحتية ومن الاختلال في ميزان المدفوعات، والركود الاقتصادي، وإن هذه الاختلالات التنموية يمكن معالجتها من خلال التحكم في الصناعات المختلفة ومنها الصناعات الصغيرة والمتوسطة، و لعل تجارب الدول خير دليل على هذا.
إن الأهداف التي تسعى هذه الدراسة لتحقيقها تكمن في التعرف على واقع هذه المشاريع والاستفادة قدر المستطاع من التجارب الناجحة العربية والدولية، ومن ثم التعرف على ما يقوم به الاستثمار في هذه المشاريع من دور تنموي مؤثر في الاقتصاد والمجتمع معاً.
ومن أجل تحقيق أهداف الدراسة، فقد تضمنت هيكلية البحث ثلاثة فصول، الأول منها جاء تحت عنوان (الإطار النظري للمشاريع الصغيرة والمتوسطة) الذي بدوره تضمن ثلاثة مباحث، تتناول ماهية المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومضمونها ودلالات مفهومها، ثم آليات تمويل هذه المشاريع، وأخيراً حاضنات الأعمال وعلاقتها بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
بينما كان الفصل الثاني بعنوان (تجارب مختارة عن الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة الداعمة للتنمية المستدامة)، الذي تناول في مبحثين التجارب العربية في (الجزائر والأردن ومصر) والدولية في (ايطاليا والهند والولايات المتحدة) في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وأخيراً جاء الفصل الثالث (الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة في العراق وآثاره التنموية)، مؤكداً على واقع هذه المشاريع في العراق، والاستثمار فيها، ومن ثم الدور التنموي للاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
