المقدمة
شهدت الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية تزايد الاهتمام باقتصاديات الأقاليم. إذ واجهت معظم بلدان العالم حركة تحضر سريعة، وإعادة إعمار المدن التي دمرتها الحرب وتوزيع منشآتها وسكانها وتخطيط مدنها القائمة أو إنشاء الجديد منها مما استدعى كل ذلك الاستعانة بأساليب وتحليلات اقتصاديات الأقاليم إضافة إلى أن هذا الحقل من علم الاقتصاد يعبر عن كونه الجسرالذي يربط علم الاقتصاد بالعلوم المكانية أو الأرضية عموما والجغرافيا خصوصا، حيث أن من أبرز مهامه تحليل علم الاقتصاد وفقا لوجهة النظر المكانية. أو بكلمة أخرى إمكانية تفسير سلوكية المتغيرات الاقتصادية ضمن المنظور المكاني، خاصة إذ ما علمنا بأن هذه المتغيرات لا تعمل في الفراغ وإنما لها بعد مكاني معين. وأن كل منطقة لها خصائص جغرافية معينة تؤثر على هذه المتغيرات بشكل أو بآخر وتجعل الموارد المتوفرة في المناطق المختلفة تبدو بأهميات نسبية متباينة. وهذا يستدعي الركون إلى الأساليب المختصة في التحليل المكاني spatial analysis، مما كان له أبرز الأثر في ظهور هذا الحقل من علم الاقتصاد، ومما يستدعي الاهتمام باقتصاديات الأقاليم أنها اقتصاديات مفتوحة تتحرك فيها عناصر الإنتاج بحرية تامة، بخلاف اقتصاديات الدول التي تمتاز بالثبات النسبي أو يمكن السيطرة على حركة انتقال عوامل الإنتاج إليها من الخارج أو دخولها إليها من الاقتصاديات الأخرى، مما يتطلب اعتماد أساليب تحليل تتناسب وخصائص هذه الاقتصاديات.
وفي ضوء ما تقدم فإن هذا الكتاب يهدف بشكل أساسي إلى الإلمام بأساسيات هذا الحقل من المعرفة ابتداءً من المفاهيم الأساسية. وقد تم استخدام منهجية حرصت على توحيد جوانب هذا الموضوع مع عمق مناسب في العرض والتحليل تجعل منه كتاباً مفيداً سواء للطالب أو المختص، وذلك حرصاً على تقديم الأفكار والتحليلات النظرية والأساليب بقدر كاف من التبسيط ليكون مفهوماً لأغلب القراء وخاصة الطلبة دون المساس بالمكانة العلمية لهذه الأفكار والتحليلات.
ولعل من أبرز الصعوبات التي واجهت عملية تأليف هذا الكتاب هي عدم وجود كتب متخصصة في هذا الموضوع باللغة العربية، كما أن الدوريات التي تتناول المشاكل المتعلقة باقتصاديات الأقاليم قليلة بشكل واضح. إضافة إلى أن المراجع الأجنبية متوفرة ضمن نطاق محدود في أسواق ومكتبات الدول العربية. علاوة على أن البيانات والإحصائيات المتعلقة بالمؤشرات الاقتصادية على صعيد الأقاليم أو المناطق الإدارية كالمحافظات محدودة جداً في هذه الدول، وذلك لكون معظم الإحصاءات قد جمعت وبوبت على صعيد الاقتصاد الوطني لهذه الدول، مما جعل هذه الإحصاءات قليلة الفائدة لأغراض تأليف هذا الكتاب.
ولقد تم تقسيم هذا الكتاب إلى بابين وتسعة فصول، فقد خصص الباب الأول منه للمفاهيم الأساسية وأبرز الأطر النظرية لاقتصاديات الأقاليم، في حين كرس الباب الثاني لأهم الأساليب التحليلية لهذه الاقتصاديات مزودة بالأمثلة والتطبيقات الفعلية.
وقد تناول الفصل الأول المفاهيم الأساسية المتعلقة باقتصاديات الأقاليم، في حين أن الفصل الثاني خصص لمناقشة أهم النظريات المتعلقة بأنظمة المستوطنات البشرية إضافة إلى أنه تناول اقتصاديات حجم المدينة ومفهوم الحجم الأمثل للمدينة. وقد تضمن الفصل الثالث نظريات التنمية الاقتصادية الإقليمية كنظرية الأساس الاقتصادي ونظرية المضاعف الإقليمي ونظرية أقطاب النمو، أما الفصل الرابع فقد خصص لاستعراض ومناقشة أبرز نظريات الموقع الصناعي.
أما الفصل الخامس فقد تناول موضوع المستخدم –المنتج الإقليمي والعلاقات التشابكية الإقليمية موضحاً مكونات هذه الجداول على المستوى الإقليمي مع ذكر بعض الأمثلة التطبيقية. أما الفصل السادس فقد كرس للبرمجة الخطية الإقليمية مبيناً أغراض استخدامها ثم أبرز مشاكلها وعيوبها معززاً بالأمثلة. وتضمن الفصل السابع نماذج الجاذبية والتفاعل المكاني مبيناً أهم تطبيقاتها مزودة ببعض الأمثلة. أما الفصل الثامن فقد استعرض تحليل مكونات البنية الصناعية الإقليمية مع ذكر بعض الأمثلة التطبيقية. وقد خصص الفصل التاسع من الكتاب لمعالجة أساليب قياس الفوارق الإقليمية معززاً ذلك بالأمثلة التطبيقية.
وفي الختام لا بد أن أشير إلى أن كتاباً يضم كماً كبيراً من المعلومات والأطر النظرية والأساليب والتطبيقات المتعلقة باقتصاديات الأقاليم لا بد أن تكتنفه بعض جوانب النقص عن غير قصد أثناء تناول المؤلف لجوانب الكتاب المختلفة. ومن المهم أن تؤكد هنا بأننا لا ندعي الكمال في هذا الخصوص، فالكمال لله وحده. ولكن مع ذلك فإن هذا الكتاب يمثل محاولة متواضعة لسد النقص الذي طال انتظاره في مكتبتنا العربية في هذا المجال. ونأمل أن نكون قد شاركنا في بناء لبنة جديدة في هذا الحقل من الدراسات الاقتصادية لتسهم في تعميق وتعزيز البحث في هذا الميدان من قبل المختصين والمهتمين بهذا النوع من الدراسات.
والله الموفق وعليه قصد السبيل
د. علي إحسان شوكت
