بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
المقدِّمة
الحمدُ لله الذي (علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم)( ),احمده على وافر نِعَمه، وعظيم مننّه عليَّ،وفواضل إحسانه لي،وأُصلّي واُسلّم على نبيِّ الرّحمة وصفوة الخلق أجمعين أبي القاسم محمّد صلّى الله عليه وعلى آله الطيبين الطّاهرين وأصحابه المنتجبين.
أمّا بعدُ…
فالقرآن كتابُ هدايةٍ معجزته اللّغة( )،استطاع النَّص القرآنيّ أنْ يقدِّم بوساطتها كمّاً هائلاً من المضامين والقيم التي تتَّصل بنهج دين السماء ولكنّه تقديم مرتفع يستحيل أنْ يُجارى أو يُقارب على الرغم من أنْ بعضاً ممّا قدّمه القران كان معروفاً عند العرب بيد أن ما لم يكن معروفاً لديهم طريقة التقديم التي آتى بها القران حتى خضع له جبابرة قريش،ولانَ له فصحاء العرب،فلم يجدوا في أنفسهم إلاّ الإيمان به ولا مناص إلا أنْ يقولوا هو من عند الله{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }( )،ولعلّ عدم اختلاف آياته بعضها عن بعض يردُّ الى أنَّ النَّص القرآنيّ نصٌّ مترابطٌ ومتلازمٌ في ستة آلاف ومائتي وست وثلاثين على أساس من التناسب العميق والمجاورة الحَسَنة تتداعى آياته وسوره تداعياً منضبطاً حتى كأن النَّص القرآني كلّه جملة واحدة،والسَّبب في ذلك أنَّ الخطاب القرآني يؤسِّس مفاهيمه -بوساطة اللّغة- بحسبان أدق علاقات الألفاظ وأكثرها جدّة مما لا عهد للعرب بهذه التحوّلات لا في ما نظموه شعراً،ولا فيما أرسلوه نثراً وهم أئمة البيان،ولذلك جهد العلماء على اختلاف مشاربهم،وتنوّع اختصاصاتهم أنْ يفكّوا رموز الإعجاز فيه، فدرسوا غريبة فلم يجدوه إلا مناسباً للسياق والحدث، وعطفوا على دراسة جمله وتراكيبه فبهرهم حُسْنُ النظم فيها ودقّة العلاقات التي تربطها،ثم اتسع مجال بحثهم فدرسوا التناسب فيه فكانت خطوة رائدة في مجاوزة حدود الجملة الى حدود النص، ولكنهم لم يقدروا على معرفة إعجازه ولمّا يقدروا بعد.
إن هذه الدراسة الموسومة بـ((الألفاظ الواردة مرّة واحدة في القران الكريم-دراسة لغويّة ومعجم))محاولة من آلاف المحاولات التي اقتربت من النّص القرآنيّ خدمة له أولا،وتقرّباً من الله(عزَّ وجلَّ)ثانياً،فكان اختيار الباحث لهذه الظاهرة الإسلوبيّة إقداما منه للوقوف على سمة من سمات إعجازه،ولاسيما انها تتعلق بظاهرة نصية أطلق عليها العلماء مصطلح (الفرائد)تشبيهاً لها بالفريدة من حبِّ العقد وهي الجوهرة التي لا نظير لها،لأنَّها تتنزل من الكلام منزلة هذه الحبّات(الفرائد)،وتدلّ على عظم فصاحته وقوّة عارضته وجزالة منطقه وأصالة عربيّته بحيث تكون هذه اللفظة إذا سقطت من الكلام عزّت على الفصحاء غرابتها( )وإذا كان لابدَّ لكلِّ بحث من أنْ يقوم على جملة من العلمية فإنَّ هذا البحث قام على خمس فرضيات هي:
1. ما الدواعي التي جعلت النَّص القرآنيِّ يستعمل هذه المفردات مرَّة واحدة فقط على الرغم من ورود السّياق المُشابِه للّذي اُستعملت فيه المفردة أكثر من مرَّة،ولكنّه لا يختارها بل يختار مفردة قريبة منها في الدِّلالة العامّة؟،وهذه المنطقة –أي منطقة الاقتراب- هي التي يتحرَّك فيها النَّص القرآني،لأنَّها تتعلّق بدقَّة المعنى من جهة مناسبة علاقة الألفاظ بعضها مع بعض في ضمن سياقها.
2. كيف تككّنت هذه المفردات من سياقاتها الواردة فيها؟،وهو أمر يستحيل معه تحريكها عن مواقعها أو استبدالها بأخرى توافقها في العموم وتغايرها في الخصوص،فلذلك سيحاول البحث الكشف عن مسوّغات الاستعمال الذي تتمكّن به المفردة من موقعها في السياق.
3. أللمفردة القرآنيّة-ولاسيّما هذه الفرائد-قدرة على تحديد نمط السّياق وبذلك نتمكّن من القول بإنَّ للمفردة -كما للسياق- قابلية على توجيه نوع الاستعمال الذي يحدِّد نوع السياق،ام أنَّ المفردة والسياق يسيران معاً نحو تحديد نمط الجملة المقولة ومستواها،ومناسبتهما معاً للحدث؟
4. إذا كان العلماء الأقدمون( ) تنبّهوا على هذه الظاهرة ورصدوها في كتبهم وكانت محلَّ إعجابهم،فإنَّهم قد تكرّموا علينا بأن لم يحصوها،ولم يفسِّروا السرَّ فيها-إلاّ قليلاً من التفسير-لذلك كانت مرحلة الجمع والإحصاء لهذه المفردات من أشق مراحل البحث التي واجهها الباحث،متتبعاً إياها بين كتب غريب القرآن وإعرابه ومعانيه،فكانت ثماني وثمانين وأربعمائة مفردة.
5. واجه الباحث جملة من الأسئلة من لدن الزملاء المختصّين،وقد كانت تدور في محورين:
الأول:أنَّ هذه المفردات لا تعدو أنْ تكون عشرات قليلة لا تتجاوز المائة وهي بهذا الرقم لا تؤلِّف نسبة من مفردات النَّص القرآني التي تبلغ سبعا وسبعين ألفاً وأربعمائة وتسعاً وثلاثين مفردة فتكون نسبة هذه المفردات بحسبان مجموع مفردات القرآن الكريم 0،5%وهي نسبة قليلة.
الثاني:إنَّ استعمال هذه المفردات مرّة واحدة لا يؤلِّف ظاهرة تتطلّب تفسيراً،فمثلما استعمل بعض المفردات مرّة واحدة،استعمل غيرها مرتين،وأخرى ثلاث مرّات وهكذا،فلا مزية لهذه على تلك.
وللإجابة عن السَّؤال الأول تكفّل بها المعجم في آخر البحث،إذ بلغت هذه المفردات ثماني وستين وأربعمائة مفردة وهو رقم ليس بالقليل،هذا من جانب ومن جانب آخر فإنَّ عمق الظاهرة في النَّص ألقرآني لا يمكن أنْ يقاس بالكم لأنَّ الاستعمال القرآني للّغة استعمال خاصٌّ و نوعيٌّ بدليل أنَّه لم يستعمل من مفردات العرب إلاّ أروعها وبمقدار حاجته،ومن تراكيبها إلاّ القليل كذلك،أمّا جواب السَّؤال الثاني فيفصح في أنَّ استعمال اللَّغة-ولاسيّما الاستعمال الفنّي منها-استعمال واعٍ ومقصود في كلِّ مرحلة من مراحل ولادة النّص،والأمر يزداد قصديّة وفنيّة إذا عرفنا أنَّ جهة صدور النّص القرآني هي جهة السَّماء وأنَّه كتابٌ سرّ إعجازه في نظمه واختياره،فعندما يصرّ في طول القران على استعمال مفردة ما مرّة واحدة لا يمكن أنْ يكون هذا عبثاً او مجرّد رغبة في الظهور،فنحن المتكلمون الاعتياديين نصرُّ في كثير من الأحايين على أنْ نستعمل المفردة مرّة واحدة لقصد رُبَّما يتعلّق بأنَّ الموقف لا يحتمل إعادتها،أو أنَّ استعمالها مرة ثانية يفسد المعنى،فإذا كنا نحن نقصد في الاختيار أفليس الله أكثر منا قصديّة في استعمال المفردات مرّة واحدة،وهو الذي جعل معجزته استعمال اللّغة فحسب.
